السيد محسن الأمين
78
أعيان الشيعة ( الملاحق )
قتله وإلقاءه عن راحلته إلى الوادي فجعلهم كالمسلمين الذين يستشفعون إلى الله تعالى ويستغيثون بالنبي ( ص ) الذي جعله شافعا ومغيثا على السواء هذا علم ابن عبد الوهاب وهذه حججه وأدلته وكذلك قوله ان آية أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ إلخ نزلت فيمن قالوا كلمة ذكروا انهم قالوها على وجه المزح « 1 » تهوينا وتصغيرا وتخفيفا لعملهم حتى يتسنى له تشبيه المسلمين بهم وهل ينفعهم ذلك وادعاؤهم المزح والحال انهم من المنافقين الذين انزل الله تعالى فيهم : ( يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ ينزل [ تُنَزَّلَ ] عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِؤُا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَ بِاللَّهِ وَآياتِهِ وَ رسله [ رَسُولِهِ ] كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ ) في الكشاف بينا رسول الله ( ص ) يسير في غزوة تبوك وركب من المنافقين يسيرون بين يديه فقالوا انظروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتح قصور الشام وحصونه هيهات هيهات فاطلع الله نبيه على ذلك فقال احبسوا علي الركب فأتاهم فقال قلتم كذا وكذا فقالوا يا نبي الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولكن في شيء مما يخوض فيه الركب ليقصر بعضنا على بعض السفر فنزلت الآية ( وذكر ) نحوه الواحدي في أسباب النزول عن قتادة وانهم قالوا يا رسول الله انما كنا نخوض ونلعب ( وذكر ) الواحدي أيضا عن زيد ابن أسلم ومحمد بن وهب أن رجلا من المنافقين قال في غزوة تبوك ما رأيت مثل هؤلاء يعني النبي ( ص ) وأصحابه أرغب بطونا ولا أكذب السنا ولا أجبن عند اللقاء فأخبر النبي ( ص ) فاعتذر القائل بانا كنا نخوض ونلعب فنزلت الآية انتهى أفبهؤلاء يقاس المسلمون المتشفعون إلى الله تعالى بنبيه صاحب الشفاعة عنده ثم يتبجح بقول تأمل هذه الشبهة ثم تأمل جوابها فإنه من أنفع ما في هذه الأوراق وهو كما عرفت لم يأت بجواب ولا شبه جواب وكذا استشهاده بحلف النبي ( ص ) ان قول بعض الصحابة له اجعل لنا ذات أنواط نظير قول بني إسرائيل اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ لا محل له ولا فائدة فيه ومن الذي يشك في أن اتخاذ شجرة تناط بها الأسلحة وتعبد كما تعبد الأصنام هو نظير عبادة بني إسرائيل للأصنام وطلب بعض الصحابة ذلك من النبي ( ص ) هو نظير طلب قوم موسى منه ولكن هذا لا يثبت ان الاستغاثة والاستشفاع بالنبي ( ص ) نظير عبادة الأصنام . وأما جوابه عن قصة اسامة وتنظيره باليهود وبني حنيفة والذين حرقهم علي بن أبي طالب والخوارج فهو مبني على الأساس الفاسد الذي أسسه من جعل الاستشفاع والتوسل بالصالحين عبادة لهم وشركا فلا ينفع معها قول لا إله إلا الله وحيث عرفت فساد هذا الأساس تعرف فساد ما بني عليه وتعرف ان من وصفهم بأعداء الله وهو أحق بهذا الوصف منهم قد فهموا معنى الأحاديث وأفنوا أعمارهم في فهمها ودراستها وانها تدل على أن من قال لا إله إلا الله حرم دمه الا ان يثبت خروجه عن الإسلام بيقين ولا يجوز تكفيره واستحلال دمه بمجرد الظن والتخمين ( فاليهود ) أنكروا نبوة عيسى ع 78 ومحمد ص وجميع شرائع الإسلام ( وبنو حنيفة ) الذين قتلهم خالد اعتل لقتلهم بمنع الزكاة التي وجوبها من ضروريات الدين التي يكفر منكرها والذين اتبعوا مسيلمة ادعوا فيه النبوة وارتدوا عن الإسلام وجعله المسلمين أشد كفرا منهم باعتبار أن أولئك ادعوا النبوة في مسيلمة والمسلمون رفعوا المخلوقين إلى درجة الإلهية بسبب استغاثتهم وتشفعهم بهم من السخافة بكان [ بمكان ] لما عرفت ولما هو أوضح من الشمس في رائعة النهار من أن استغاثة المسلمين واستشفاعهم بذوي المكانة عنده تعالى وجميع ما يفعلونه ليس فيه شائبة رفع المخلوق عن درجة العبودية إلى درجة الإلهية وقد أوضحنا ذلك مكررا فلا نطيل بإعادته ( والذين ) حرقهم علي بن أبي طالب قالوا له أنت الله أما من توسل بنبي أو صالح إلى الله ودعاه واستغاث به ليدعو الله له ويكون له شفيعا فلم يكفر ولم يشرك ولم ينكر ضروريا حتى يباح دمه الا عند الجاهل الذي لا يفهم معنى الأحاديث واما استشهاده بأخبار الخوارج وان الرسول ( ص ) أمر بقتلهم لما ظهر منهم من مخالفة الشريعة ففيه أن الذين ظهر منهم هو تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وإخافة السبيل وإشهار الحرب على المسلمين لشبهة دخلت عليهم أعظم أسبابها الجمود وأشبه الناس بهم في هذا الزمان كما مر من يكفر المسلمين ويستحل دمائهم وأموالهم ويغزو بلاد الإسلام ويشهر الحرب على المسلمين ويخيف السبل بشبهة انهم يستغيثون ويستشفعون بذوي المكانة عند الله وتوهم ان ذلك شرك بالله والحال أنه ليس فيه من ذلك شائبة كما بيناه وأوضحناه فأي الفريقين أحق بان يشبه بالخوارج لو كانوا يعقلون . ( واما قوله ) فيما حكي عنه في تاريخ نجد أن بعض العلماء كفر من أنكر فرعا مجمعا عليه فهو اعتراف منه على نفسه وعلى اتباعه بالكفر فإنهم قد أنكروا فروعا فضلا عن الفرع الواحد مجمعا عليها بين المسلمين كالاستشفاع بالنبي ( ص ) وتعظيم قبره والتبرك به وغير ذلك مما خالفوا فيه عامة المسلمين بعد اتفاقهم وإجماعهم عليه أجيالا عديدة فتوى وعملا ( قوله ) فتشبيه عباد القبور إلخ قد علمت مما بيناه وشرحناه انه ليس في ذلك تشبيه بل هو الحق الذي لا شبهة فيه وان تشبيه الوهابيين بان الاستشفاع والتوسل بالنبي ( ص ) الذي جعله الله شافعا وجعل له الوسيلة كفر وشرك مجرد تعميته على العوام وتلبيس لتنفق ضلالتهم التي كفروا بها المسلمين ويأبى الله ذلك ورسوله والمؤمنون . ومما ذكره ابن عبد الوهاب في رسالة كشف الشبهات « 2 » انه ما بعث الله نبيا بهذا التوحيد الا جعل الله له أعداء كما قال : ( وَ [ كَذلِكَ ] جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ) وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى : ( فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ ) فإذا عرفت ان الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج فالواجب عليك ان تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل هؤلاء الشياطين الذين قال امامهم ومقدمهم لربك عز وجل ( لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ الآية ) ولكن إذا أقبلت على الله فلا تخف ( إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً ) والعامي من
--> ( 1 ) يتبين مما سيأتي في سبب نزول الآية انهم لم يعترفوا بتلك الكلمة ولا ادعوا قولها لا على سبيل المزح كما يدعيه ابن عبد الوهاب ولا غيره بل أنكروها بتاتا وادعوا أنهم كانوا يمزحون بشيء غيرها . ثم إنه هنا يقول ذكروا أنهم قالوها على وجه المزح وفي صفحة 72 من كشف الشبهات يقول كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه اللعب والمزح فجزم بذلك فتناقض كلاماه وكلاهما مخالف للواقع فانظر إلى تحريفه الأخبار ترويجا لمقاصده . ( 2 ) صفحة 59 - 61 طبع المنار بمصر .